الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

664

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومما يعزى للعارف الرباني أبى محمد المرجاني أنه قال : وسر قوله - صلى اللّه عليه وسلم - ( كما صليت على إبراهيم ، وكما باركت على إبراهيم ) ولم يقل : كما صليت على موسى ، لأن موسى - عليه الصلاة والسلام - كان التجلي له بالجلال ، فخر موسى صعقا ، والخليل إبراهيم كان التجلي له بالجمال ، لأن المحبة والخلة من آثار التجلي بالجمال ، فلهذا أمرهم - صلوات اللّه وسلامه عليه - أن يصلوا عليه كما صلى على إبراهيم ، فيسألوا له التجلي بالجمال ، وهذا لا يقتضى التسوية فيما بينه وبين الخليل - صلوات اللّه وسلامه عليهما - ، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلي بالوصف الذي تجلى به للخليل - عليه الصلاة والسلام - ، فالذي يقتضيه الحديث المشاركة في الوصف الذي هو التجلي بالجمال ، ولا يقتضى التسوية في المقامين ولا الرتبتين ، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما ، وإن اشتركا في وصف التجلي بالجمال ، فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده ، ورتبته منه ومكانته ، فيتجلى للخليل - عليه الصلاة والسلام - بالجمال بحسب مقامه ، ويتجلى لسيدنا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بالجمال بحسب مقامه ، فعلى هذا يفهم الحديث انتهى . فإن قلت : ما المراد بآل محمد في هذا الحديث ؟ فالجواب : أن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة ، كما نص عليه الشافعي ، واختاره الجمهور ، ويؤيده قوله - صلى اللّه عليه وسلم - للحسن بن علي : « إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة » « 1 » وقيل : المراد بآل محمد أزواجه وذريته . وقيل : المراد بهم جميع الأمة أمة الإجابة . حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية ، ورجحه النووي في شرح مسلم ، وقيده القاضي حسين بالانقياد منهم ، وعليه يحمل كلام من أطلق ، ويؤيده ما رواه تمام في فوائده ، والديلمي عن أنس قال : سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : من آل محمد ؟ فقال : « كل تقى من أمة محمد » ، زاد الديلمي : ثم قرأ : إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه أحمد في « المسند » ( 1 / 200 ) ، وهو عند البخاري ( 1491 ) في الزكاة ، باب : ما يذكر في الصدقة للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وآله ، ومسلم ( 1069 ) في الزكاة ، باب : تحريم الزكاة على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى آله ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .